search
burger-bars
Share

مونديال 2010 دروس وعِبَرأُسدِل السّتار على فعاليّات نهائيّات كأس العالم 2010 التي أُقيمت لأول مرّة على أرض القارّة السّمراء

 في جنوب أفريقيا، بفوز إسبانيا بأعظم لقب وأول لقب في تاريخها وهو بطولة العالم في أُمّ المسابقات، كرة القدم. مضى حوالي شهر منذ أن بدأت المسابقة، ولا أُخفي عنكم كم كانت سعادتي كبيرة واستمتاعي شديداً، لدرجة أنّي تابعت أكبر عدد ممكن من المباريات ولم يفُتني سوى القليل رغم انشغالي الكبير. وها أنا أشاركك عزيزي القارئ ببعض الدّروس والعِبَر التي تعلّمتها منها:
التّنظيم الدّقيق يجعل المستحيل مُمكناً
لم يكن أشدّ المتفائلين يتوقّع خروج هذه البطولة بهذه الرّوعة والدّقة في التّنظيم، فحين أُعلن رسميّاً اختيار جنوب أفريقيا كبلد مُضيف لفعاليّات كأس العالم 2010، علت الأصوات تعلن عن خوف وقلق من إمكانيّة فشلها في تنظيم هذا الحدث الكبير. وما زاد الطّين بِلّة وأكّد هذه الهواجس، هو ما أُشيع عن تهديد نظام القاعدة بتفجير عبوات ناسفة في المُدرّجات الممتلئة بالمُشجّعين، والأكثر من ذلك هو إعلان بعض اللاعبين والإعلاميّين عن سرقة أموال وممتلكات بعد بدء وصول بعثات الفِرَق المشاركة. لم تكن المؤشّرات تدلّ على إمكانيّة إتمام كأس العالم هذه المرّة، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك، ففي حفل الافتتاح رأيت صورة شديدة الابهار والرّوعة تنمّ عن قدرات بشريّة وفنيّة غير عاديّة للقائمين على تنظيم هذا الحفل، كانت العروض جميلة والأداء مؤثّراً. وانطلقت مباريات كأس العالم ومرّت الأيّام والأسابيع واختفت الشّكاوى من حوادث السّرقة أو من أيّ أمر آخر، وعلَت أصوات التّأييد والانبهار بمستوى التّنظيم في جنوب أفريقيا، حتّى أنَّ جوزيف بلاتر رئيس الإتّحاد الدّولي لكرة القدم - فيفا - أكّد بأنّ جنوب أفريقيا هي إحدى أفضل الدّول التي نظّمت كأس العالم، وأنّه في حال اعتذرت أيّة دولة عن استقبال البطولة في اللحظات الأخيرة، سيُسند مباشرة التّنظيم إلى جنوب أفريقيا، وكان ختام البطولة بحفل أكثر روعة وإبهاراً من حفل الافتتاح، لتُعلن جنوب أفريقيا عن أنَّ التّنظيم الدّقيق يجعل المُستحيل مُمكناً.

ضبط النّفس دائماً يؤدّي إلى تحقيق الهدف

 لفت نظري إصرار اللاعبين على الفوز وعدم الهزيمة والتزامهم بتعليمات المدرّب حتّى النّهاية، هذه الصّورة تحدّث عنها القدّيس بولس الرّسول في رسالته الأولى إلى كورنثوس 9: 24 - 27 . كان الرّسول بولس يستحضر صورة الرّياضيّين الرّاكضين في الميدان، كان عليهم أن يتدرّبوا جيّداً، وأن يضبطوا أنفسهم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كانت الرّياضة والمباريات مُثيرة بالنّسبة للكورنثيّين وكانت تُسمّى الألعاب الأثيمانيّة التي لم يكن يفوقها سوى الألعاب الأوليمبيّة. وكان قصد الرّسول بولس فيما قاله هو: إنْ كان هؤلاء قد قضوا وقتاً طويلاً وبذلوا جهداً مضاعفاً في التّدريب وضبط النّفس، كي ينالوا في النّهاية إكليلاً من ورق الغار الذي سرعان ما سيذبل ويفنى، فكم بالأولى أنّ كلاًّ منّا يضبط  نفسه ويدربّها في المبادئ الإلهيّة ليفوز بإكليل الحياة الأبديّة. فهؤلاء اللاعبين يتمتّعون بالقدرة على ضبط النّفس ويتحلّون بالأعصاب الهادئة، لا يردّون على الخشونة المُتعَمّدة ولا على التّعدي باللفظ، بل يلعبون بهدوء وتركيز شديدين وعلى هذا يحقّقون الفوز، بعكس الفريق الذي يخرج عن هدوئه ويتسبّب بالهزيمة لنفسه.

عندما يكون الفريق هو البطل يتحقّق النّجاح 

بدأ المونديال والعيون تترقّب والمحلّلون يتوقّعون تألّق لاعبين كبار كـ "ليونيل ميسي" - أفضل لاعب في العالم لهذا العام - و"كريستيانو رونالدو" - أفضل لاعب في العالم للعام الماضي - و"ريكاردو كاكا" - أفضل لاعب في العالم للعام قبل الماضي - و"واين روني" - أحد أبرز وأشهر وأقوى المهاجمين في العالم -. لكن وبعد انطلاق البطولة سلّم الجميع بأنَّ هذه البطولة شهدت اختفاء أولئك النّجوم وظهور نجم واحد وهو ”الفريق“. واحد من أروع الأمثلة التي أثّرت فيَّ كثيراً كان موقف اللاعب الألماني "كلوزة" الذي حقّق عدّة أرقام قياسيّة، ومنها الهدف الرّابع عشر في المونديال، لكن كان عليه أن يُحرز هدفاً آخر كي يتساوى مع اللاعب البرازيلي "رونالدو" الذي كان قد سبق وأحرز خمسة عشر هدفاً، لكن كم كان تصريحه رائعاً حين وصل إلى الهدف الرّابع عشر، إذ قال بأنَّ الأهمّ بالنّسبة له ليس كسب رقم قياسي جديد، بل تحقيق فريقه للبطولة. بهذه الرّوح لعب المنتخب الألماني مبارياته.

التّخطيط السّليم يقود إلى نتائج رائعة

ما شاهدناه في هذه المسابقة أكّد على أنَّ كرة القدم لا بدّ وأن تقوم على التّخطيط والتّكتيك الجيّدَين، وعلى الإعداد النّفسي والبدني ودراسة الفريق المُنافِس دراسة جيّدة، وابتكار ووضع الخُطّة المناسبة وتوظيف اللاعبين وفق هذه الخطّة. الفريق الألماني واحد من الفِرَق التي ملكت التّخطيط والتّكتيك الجيّدَين على أعلى مستوى، حتّى أنّهم يُسمّون أعضاءه بالماكينات الألمانيّة نظراً لما يتمتّعون من دقّة وسرعة وجودة عالية في الأداء. كانوا يحقّقون توازناً كبيراً في عمليتَي الدّفاع والهجوم، طوال الوقت تراهم يُهاجمون وبالمقابل لا تلحظ أيّة خطورة على مرماهم، فلاعبوا الدّفاع لديهم ملتزمون تماماً بالدّفاع عن مرماهم، وعلى هذا استحقّوا الإشادة بهم. وبالفعل تعلّمنا منهم الكثير.

 التّشجيع له مفعول السِّحر

للجماهير فعل السِّحر في اللاعبين خاصّةً في كرة القدم، فأنا لا أتخيّل مباراة كرة قدم بدون جمهور. في جنوب أفريقيا زحفت الآلاف من الجماهير من مختلف البلدان لتُشجّع لاعبيها، جاء المشهد ساحراً. كلّ تلك الثّقافات المتنوّعة تهتف معاً في المدرّجات، وكلٌّ يشجّع بطريقته.

الرّياضة أخلاق واحترام وسلوك حضاري

في الرّياضة فائز وخاسر، وهذا حال كرة القدم لا يُمكن أن يخرج الفريقان فائزيَن أو منهزمَين. لا يمكنني أبداً أن أنسى تلك اللحظات المؤثّرة في النّهائي بين هولندا وإسبانيا، والتي انتهت بفوز إسبانيا في نهاية الشّوط الإضافي الرّابع بهدف مقابل صفر، ورغم الدّموع المنهمرة من عيون لاعبي المنتخب الهولندي وبالأخص اللاعب "شنايدر"، إلاّ أنّ لاعبي هذا المنتخب وقفوا مع الجهاز الفنّي والإداري لتهنئة المنتخب الأسباني بعد أن استلم الكأس.

الالتزام والاحترام والمثابرة حتّى النَّفَس الأخير - عدم فقدان الأمل -

 وصل منتخب إسبانيا إلى أرض الوطن وقد استحقّ عن جدارة لقب البطولة ونال بفخر الكأس الغالية، وهو لم يعتلِ منصّة التّتويج بسهولة، فقد كان الطّريق صعباً أمامه منذ البداية. كان لديه الكثير من المثابرة، فقد لَعِب إلى آخر لحظة دون يأس، امتلك الإيمان العميق بقدراته. في تصريحات أعضائه لُغة مليئة بالتّواضع، لقد قدّروا منافسيهم واحترموهم، اجتهدوا وانتظروا حتّى النّهاية. تحلّوا بروح الأبطال بقوّة وشجاعة الفرسان، امتلأوا بروح الأمل لذا تحقّق لهم ما أرادوه. تُوِّجوا على عرش كرة القدم ليكونوا أول فريق أوروبي يُحقّق هذا اللقب الغالي، بعيداً عن أرض القارة العجوز، وثاني فريق بعد ألمانيا يتمكّن من الجمع بين بطولة أوروبا وبطولة كأس العالم. عزيزي القارئ، دروس وعِبَر، كلّنا يحتاج لأن يُطبّقها في حياته كي يُحقّق لنفسه ولأُسرته ولوطنه الكثير.

إذا كان لديك عزيزي القارىء أيّة مشكلة تحبّ أن تشاركنا بها، وتحبّ أن نصلّي لأجلك .. اتّصل بنا 

FacebookXYouTubeInstagramPinterestTiktokThreads