search
burger-bars
Share

weeding ringsأتابع منذ فترة تداعيات الحُكم الصّادر من المحكمة الإداريّة العُليا، بإلزام الكنيسة السّماح للمُطلّقين بالزّواج في الكنيسة مرة أُخرى،

 وقد كان لهذا الحُكم تداعيات خطيرة بشأن ملف الأقباط في مصر، إذ يُعتبر مُهيناً ومؤلماً لمشاعر الأقباط، فقد وصل الحال بالضّغط عليهم إلى حدّ التّدخُّل في معتقداتهم. ولكي نفهم بشكل أكبر الفكر والمعتقد المسيحي من نحو هذا الأمر، فلنعود إلى الكتاب المُقدّس دستورنا الوحيد للإيمان والأعمال، كي يتّضح جليّاً لمن لا يعرف كيف يتحدّث الكتاب المقدّس في عهدَيه القديم والجديد عن الزّواج، وما قَوله في الطّلاق وتعدُّد الزّيجات.

الزّواج في العهد القديم "اليهوديّة"

 منذ البدء أراد الله لنا أن ندرك بأنَّ فكرة تكوين الأسرة هي فكرة إلهيّة وتشريع سماوي، قال الله في سٍفر التّكوين 2: 18 . لقد رأى الله بأنَّه لا يجب أن يعيش آدم مشاعر الوحدة، وخاصّةً بعد أن رأى الحيوانات والطّيور والزّواحف تعيش كقطعان تتزاوج وتتكاثر، وبالطّبع كان في قصد الله أيضاً إيجاد مُعين نظير لآدم، لذا أخرج من آدم حواء لتكون زوجة له، وهُما معاً متّحدان يشكّلان الإنسان الكامل المخلوق على صورة الله، يقول الوحي في سٍفر التّكوين 1: 27 . ولكي يكون لآدم رفيقاً ووَنيساً ومعيناً نظيره "أي مساوياً"، أخرج الله الأنثى حواء من ضلع آدم، فصار الإنسان الذي كان واحداً اثنين، رَجُلاً وامرأة. وفي الزّواج يعود الإنسان الواحد من جديد، يعود الإثنان ليكونا جسداً واحداً، وباتّحادهما معاً يعكسان صورة الله. عند اليهود نرى التّلمود "الذي يعني - الدّراسة - وهو كتاب فسّر فيه اليهود شرائعهم" يتحدث عن هذا الأمر، إذ يعتبر أنّ الإنسان إن كان رَجُلاً بلا زوجة، ليس إنساناً كاملاً (عن كتاب  قُدسيّة الزّواج في الكنيسة الإنجيليّة - جورج حبيب بباوي -). يوصَف الزّواج في الكتاب المقدّس بعبارات لاهوتيّة واضحة مثل "إمرأة عهدك"، كما في سِفر ملاخي 2: 14 . و"عهد الله"، كما في سِفر الأمثال 2: 17 ، وطبعاً كلمة عهد هي من أقوى وأعظم وأهم الكلمات اللاهوتيّة. 

 الزّواج في العهد الجديد "المسيحيّة"

حين سُئل الرّب يسوع من قِبَل الفرّيسيّين عن رأيه في الطّلاق، تحدّث عن رأيه في الزّواج كما هو مذكور في إنجيل متّى 19: 4 - 6 .أيضاً بارك الزّواج كاتب الرّسالة إلى العبرانيّين في رسالة العبرانيّين 13: 4 . بوجه عام، كانت رسالة العهد الجديد إلى المتزوّجين أن يحترموا الزّواج ويقدّسوه ويكون سلوكهم الأُسري مُعبّراً عن وحدانيّة الزّوجين، فالرّجُل والمرأة لن يعودا ليكونا اثنين بل واحداً، وكلّ منهما عليه منح  نفسه للآخر بكلّ الحُب، وليس هذا فقط، بل واحترام دوره الذي وضعه له الله في العائلة. فالرّجُل وُضع من قِبَل الله رأساً للمرأة، تماماً كالمسيح الذي هو رأس الرّجُل، والله الذي هو رأس المسيح، كما هو موضّح في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس 11: 3 . وعلى هذا:
 -  فكما خضع المسيح لرأسه الذي هو الله (رسالة بولس إلى أهل فيلبّي 2: 8 ) على الرّجُل أن يخضع للمسيح الذي هو رأسه( إنجيل متّى 7: 24 ). وعلى المرأة أن تخضع لزوجها الذي هو رأسها (رسالة بولس إلى أهل أفسس 5: 24 ). 

- وكما أنَّ الله أحبّ المسيح ابنه الوحيد "الله الظّاهر في الجسد" في وحدانيّة الثّالوث كما يوضّح إنجيل متّى 3: 17 ، والمسيح أحبّ خاصّته "كنيسته" التي هي جسد المسيح وهيكله "حتّى المنتهى فأسلم نفسه لأجلها" أي فداها، على الرّجُل أن يحبّ امرأته التي صار متّحداً بها وجسداً واحداً معها، كما يذكر لنا إنجيل يوحنّا 13: 1

-  وحيث يكون الحبّ نجد الخضوع وحيث يكون الخضوع يكون الحُبّ، ولا مجال لواحد دون الآخر وإلاّ صار الحُبّ تملُّقاً وأضحى الخضوع خنوعاً، وهذا لا يطبّق فقط على مستوى الزّواج لكن على جميع المستويات في حياتنا، أي على مستوى العمل والكنيسة والعلاقات الاجتماعيّة العامّة. كما نقرأ في رسالة بولس إلى أهل أفسس 5: 21 . وفي رسالة بولس إلى أهل رومية 12: 10 .

تعدّد الزّوجات

  في سِفر التّكوين 2: 21 - 24 ، يُعلن لنا الله هنا عن إرادته كخالق إذ شاء فأعطى لآدم زوجة واحدة، ومن الواضح بأنَّ سَرد قصّة آدم وحواء في هذا السّفر لم يكن بلا هدف، بل أكّدت على شريعة الزّوجة الواحدة. فلو أنَّ الله أراد خلق أكثر من زوجة لآدم لكان قد فعل، ولأنّهما معاً آدم وحواء يشكّلان باتّحادهما الإنسان الواحد، لذلك يقول الرّب يسوع: "من البدء خلقهما ذكراً وأنثى" أي خلق الإنسان في وحدته المتكاملة. وسِفر التّكوين يتضمّن تحذيراً خفيّاً من تعدّد الزّوجات، لكن هذا التّحذير لم يُنصت له إلا قلّة نادرة، وقد ذكر العهد القديم الظّروف التى جعلت الرّجال يلجأون إلى الزّواج من أكثر من امرأة، فابراهيم على سبيل المثال "رغم أنّ الكتاب المقدّس دعاه بأبي المؤمنين" حين طال الوقت وزاد انتظاره، قلّ صبره وبدأ يفقد إيمانه، وسارة زوجته لم تكن معيناً له على الثّقة بالله وبوعده في أنّه سيمنحه نسلاً من سارة الكبيرة السّن، فدفعته "بعكس المشيئة الإلهيّة" إلى الزّواج من هاجر بهدف إنجاب نسل منها، هذا ما نراه في سِفر التّكوين 16: 1 - 2 . ومن ثمّ بعد موت سارة، ولأنَّه بات طاعناً في السّن تزوّج قطّورة التي أنجبت له بنين آخرين.

قوانين أرضيّة

في كلّ حالة في الكتاب المقدّس قام صاحبها بالزّواج للمرّة الثّانية، لم يتبع مع الأسف قانون الله ولا مشيئته بل اتّبع ظروفه وأسبابه الخاصّة، أو اتّبع قوانين وضعت بأيدي بشر، وإبراهيم الذي من "أور الكلدانيين" خضع لشريعة الكلدانيّين التي سجّلها حمورابي فيما بعد (حوالي 1700 ق. م)، والتي كانت تعطي الحقّ للزّوج بالزّواج من أخرى إن كانت زوجته الأولى عاقراً، وعلى هذا  لم ترتكب سارة خطأً ضدّ شريعتها حين أدخلت زوجها على جاريتها، لكنّها أخطأت في حقّ شريعة الله وشكّكت في أمانته في حفظه لكلمته وعهده. حسب نصّ تلك القوانين كان الزّوج يفقد حقّه في الزّواج الثّاني، إن طلبت منه زوجته الدّخول على جاريه من جواريها، وكان الطّفل المولود يُعتبر ابناً للسّيدة وليس الجارية، ولعلّ هذا يفسّر لنا لِما طلبت سارة من إبراهيم فعل ذلك، ناهيك طبعاً عن الفروق الجذريّة التي كانت بين السّيدة والجارية التي لم يكن لها الحقّ في شيء. الكتاب المقدّس لم يعمل على إخفاء أيّة حقيقة مهما كانت بشاعتها، وهو حين يذكر لنا زيجات رجاله المتعدّدة، لا يقدّم هذا كإعلان عن روعة تعدّد الزّيجات أو عن كونه الوضع المثالي، لا بل على العكس، إنّه بذِكره لهذه الزّيجات، يكشف لنا عن أمثلة يفضحها ويفضح ما نجم عنها من مشاكل ومساوئ، كزيجة يعقوب من الأختَين راحيل وليئة اللتين قدّمتا له أيضاً جاريتَيهما لتدخلا عليه، وبالطّبع لم يَغفل الكتاب المقدس فيما بعد عن ذكر تاريخ هذه العائلة والمساوئ والمشاكل التي حدثت فيها، كما نقرأ في سِفر التّكوين 30: 1 - 9 . إذاً وكما اتّفقنا، كل من جمع بأكثر من زوجة في العهد القديم، لم يَسر حسب المشيئة الإلهيّة وإنَّما سار حسب قوانين ظروفه والقوانين البشريّة. ومنهم سليمان الذي تزوّج وتزوّج وتزوّج ظنّاً منه بأنّه من خلال زيجاته هذه سيوفّر الأمن والأمان لبلده، مع أنَّ الله هو الحامي وهو الحارس. وما الذي حدث؟ زوجاته أولئك، أَمَلْنَ قلبه من نحو الله، وأَفسدْنَ علاقته بالله، فصار في آخر أيّامه يقدّم ذبائح للبعل والآلهة على الجبال. الطّلاق مع كلّ الأسف عبر السّنين كان هدف العدو الأول إبليس، وهو تشويه هذا المشروع الإلهي "العائلة" وتدميره، لأنّه يعكس محبّة الله لشعبه والمسيح لكنيسته. وبسبب استسلام الإنسان للخطيئة وابتعاده عن قِيَم الله، نجح إبليس في تشويه صورة الزّواج، وصار شغله الشّاغل محاربته. لقد وضع العدو "العائلة" هدفاً له يسعى لتحطيها وهذا ليس بغريب على الشّيطان، فأسلوب عمله الدّائم هو التفكيك، نجح أولاً في إبعاد آدم وتحطيم العلاقة بينه وبين الله، وهو منذ تلك اللحظة يحاول جاهداً تدمير وحدة الزّواج، مستخدماً كلّ قواه، مستخدماً البيئة والثّقافة والعلم، ليحطّم ترتيباً عظيماً وضعه الله وهو ترتيب الزّواج.

  الطّلاق وما موقف الله منه؟

في كلمة الله في سِفر ملاخي 2: 14 - 16 يتبيّن لنا أنّ الله يرفض الطّلاق ويرفض غدر الإنسان، ويحزن من تحميل الإنسان لله جريرة أخطائه متّهماً إيّاه بعدم العدل. وسواء كان هذا صادراً عن الزّوج أو الزّوجة فالطّلاق مرفوض عند الله، لأنّه يرتبط  أولاً بنزعات الإنسان الدّاخليّة التي تحكمها الأنانيّة والرّغبة في إرضاء الذّات، وحيث توجد الأنانيّة لا سبيل للحُبّ أو التّضحية أو الالتزام، ولا سبيل لسماع الآخر ولمنحه فرصة إبداء رأيه والتّعبير عن نفسه. وحيث نرى الأنانيّة نرى التّسلّط وحُبّ السّيطرة والتّحكّم وقساوة القلب. عندما قيل للمسيح، موسى منح شعبه كتاب طلاق أجابهم لسبب قساوة قلوبكم. القسوة والأنانيّة قوة شيطانيّة، يمكن أن تدوس شرائع الله، وتفرّق ما جمعه. لقد سمح الرّب يسوع بالطّلاق في حالة واحدة وهي الزّنا، وذلك لإدراكه التّام بضعف البشر وصعوبة قبول الغدر، لكن حتّى لِعلّة الزّنا، قلب الله أوسع ومحبته أكبر، إذ تستوعب كلّ الخطايا. في سِفر هوشع 3: 1 ، طلب الرّب من النّبي الزّواج من زانية ليبرهن له عن محبّته لشعبه، الذين تركوه ورفضوا عهد محبّته وارتكبوا الزّنى الرّوحي بتعلّقهم بآلهة أخرى وابتعادهم عنه، إلاّ أنَّه ردّهم إليه بمحبّته الغافرة التي تمنح الحبيب الفرصة الثّانية، كي يدرك فداحة ما ارتكب ويعود ويطلب الغفران.

قارئي العزيز، الطّلاق يخالف شريعة الله، والرّب يسوع يقول بأنّ من تزوّج من مطلَّقة فقد زنا، ومن قال بأنّه مسيحي عليه أن يحترم ما يحتويه الفكر المسيحي من مبادئ وقوانين، فيحترم عهد الزّواج ويخضع ويدرك وحدة الزّواج ويغفر، وبنجاحه في ذلك يتجنّب حدوث المشاكل والوصول إلى الطّلاق. وعلى هذا  فقرار المحكمة الإداريّة بزواج المُطلّقين يُعَدّ ضدّ التّعاليم المسيحيّة، لأنَّه يخالف فكر الكتاب، ومخالفة تعاليم الكتاب معناها تأجيج وإثارة الفتن، ناهيك عمّا سيتسبّب فيه هذا القرار من تفكيك لآلاف بل مئات الآلاف من الأُسَر، وهذا في حدّ ذاته أمر علينا أن نتكاتف جميعاً بكلّ مؤسّساتنا للقضاء عليه. 

تعال معي عزيزي القارىء لنتعرّف أكثر على هذا الموضوع ومبدأ الكتاب المقدّس تجاهه من خلال الموضوعات التّالية:

إذا كان لديك عزيزي القارىء أيّة مشكلة تحبّ أن تشاركنا بها، وتحبّ أن نصلّي لأجلك .. اتّصل بنا 

FacebookXYouTubeInstagramPinterestTiktokThreads