search
burger-bars
Share

  من يعرف أنْ يعمل حسناً ولا يعمل فذلك خطيّةٌ لهوضع الله "أبانا آدم" في جنّة عدن المكان الأبهى والأجمل الذي أراده أن يكون فيه،

 وفي وسط هذا الجمال الباهر غرس الله شجرتين، إحداهما شجرة معرفة الشّرّ والخير والأُخرى شجرة الحياة، وأوصى الله آدم أن لا يأكل من شجرة معرفة الخير والشّرّ، وفي الوقت نفسه أعطاه حريّة الاختيار ليُعلّمه الطّاعة، ووضع مكافآت لاختيار الطّاعة وعقوبات وخيمة لاختيار العصيان. وكانت النّتيجة أن اختار آدم ومعه حوّاء العصيان، فانقطعت شركتهما مع الله. وهكذا يَرِث كلّ كائن بشري يولد في هذا العالم الطّبيعة الخاطئة من آدم وحواء، بل أكثر من ذلك فقد أثّر عصيانهما على الخليقة بشكل عام. والسّؤال الذي سنطرحه هنا هو: هل الخطيّة هي فقط العصيان أو فعل الشّرّ ؟ أم هي أكثر من ذلك؟ 

مفاهيم خاطئة ومتخالفة عن الخطيّة:
 • يظنّ البعض أنّ الخطيّة هي ذلك الفعل الشّرّير والمُشين الذي يعمله الإنسان، مثل القتل والزّنى والسّرقة وكلّ الأمور السّيّئة الأُخرى. لكنّ الحقيقة هي أنّ هذه الأفعال التي اعتدنا على تسميتها بالخطيّة هي في واقع الأمر ناتج أو حصاد أو ثمر لعصيان أوامر الله. وكما ذكرنا سابقاً فالخطيّة بحدِّ ذاتها هي عصيان الله والاستقلال عن إرادته، من خلال اختيار الإنسان أن يُسيّر أمور حياته بنفسه وحسبما يحلو لهُ من دون مُراعاته لقوانين ووصايا الله. ولأوضِّح ذلك أقول إنَّ خطيّة أبوَينا الأوّلين آدم وحوّاء لم تكُن في حدِّ ذاتها هي الأكل من ثمار الشّجرة، بل إنّ الله تعالى لم ينهِ آدم وزوجته عن الأكل من كُلِّ الأشجار بأنواعها المُختلفة، إنّما كانت الخطيّة هي بالأساس مُتعلِّقةٌ بكسر الوصيّة والأكل من شجرة بذاتها ومن ثمرها. إذاً فالخطيّة هي ما نعمله من أعمال شرّيرة، كنتيجة لكسر وصيّة الله واختيار ما لا يرضيه.
 • يعتقدُ البعضُ أنّ للخطيّة درجات أو منازل عند الله، مثلما هي عندنا نحنُ البشر، فمنها الكبيرة كالقتل والزّنى والسّرقة مثلاً، ومنها الصّغيرة كالكذب والوشاية والنِّفاق. بل والأكثرُ من ذلك إنّ بعض النّاس يُلوّنون خطيّة مثل الكذب، فيُوافقون على شرعيّتها مُتمثِّلةً فيما درجوا على وصفه بالكذبة البيضاء التي دافعُها خيراً (مثلما يدّعون!)، تمييزاً لها عن الكذبة السّوداء التي دافعها شرّاً!. والحقيقة أنّنا لو فهمنا ما قد سبق وقُلناهُ في النّقطة السّابقة، لكان سهلاً علينا أن نُدرك حتّى بالمنطق، أنّ الأمر ليس كذلك على الإطلاق. لكنَّ الحقيقة هي أنّ مقاييس الله تختلفُ كثيراً عن مقاييسنا نحنُ البشر، فلو كانت الخطيّة هي عمل ما يرفضه الله، فإنّه في هذا السّياق تتساوى وتندرج كُلُّ أنواع الخطايا التي نرتكبها، إذ أنّها كُلّها تكون مرجعيّتُها كسرنا لوصايا الله تلك التي نهانا عنها. ويقول الوحي المُقدّس: إنّ من أخطأ في واحدة صار مُجرِماً في الكُلِّ. إذن فلا عدد الخطايا التي نرتكبها ولا حجم الخطيّة من جهة تقييم الإنسان ونظرتهُ لها يُمثِّلان أيّ قيمة عند الله، ولكنّ اتّجاه القلب هُو الذي يُبيِّن إنْ كان هذا الإنسانُ يُحبُّ الله حقّاً أم لا.
 • يظنُّ البعضُ أنّ الأعمال الصّالحة التي يعملونها هي قادرة على محو وإزالة تلك الخطايا والسّيّئات التي يرتكبونها، وهذا المفهموم يُعتبَرُ مغلوطاً أيضاً، فالإنسانُ مهما عمل فلن يكون مقبولاً أمام الله بأعماله. إنّ الأعمال الصّالحة المقبولة هي فقط التي تأتي من قلب يُحبُّ الله ويعبده بنقاوة واستقامة، ويتجنّب بكُلّ قُوّته الخطيّة ولا يعملها حُبّاً في الله، وهذا هو الدِّين الحقيقيّ.
 • لماذا يعرف الكثيرون أن يعملوا حسناً ولا يعملوا؟
يكون ذلك غالباً مرجعيّته الأنانيّة وحُبّ الذّات والكراهية للآخر والتّقوقُع حول النّفْس، وكلّ هذه الأمور هي خطايا مَقيتة لدى الله تفصلنا عنه وتُباعِد بين البشر ومحبّتهم لبعضهم البعض.
 • الله يعرف أن يعمل حسناً ولم يُقصِّر:
لم يكُن اللهُ مُضطرّاً أن يُفكّر في حلّ مُشكلة خطيّة الإنسان وفداءه من الخطيّة، بل كان يُمكن لله فقط أن يُطبّق القانون الذي وضعه منذ البداية بأنّ أُجرة الخطيّة هي موت، وكان يُمكنهُ أن يُهلِك البشر أجمعين منذ أن أخطأ أبوانا الأوّلين وكسرا وصيّة الله، لكنّ الله نفسه أعطانا مَثَلاً بأنْ قدّم وبذل ابنه ليموت على الصّليب بدلاً عنّا، وفي هذا أعظم برهانٍ وأصدق دليلٍ على بِرِّ الله وصلاحه، وتطبيقه لهذا المبدأ الذي علَّمَنا إيّاهُ وطالَبَنا به.
 • إنّ أعظم عطايا الله هي المحبّة التي لخّص بها السّيّد المسيح النّاموس في وصيّتين اثنتين نجدهما في إنجيل مرقس 12: 30 - 31 . ولكن لن نستطيع أن نعيش ونختبر عطيّة المحبّة هذه إلّا بمعونة الله وقيادته لنا، فالإنسانُ من ذاته غير قادر على بلوغ هذا المُستوى من الحياة، وإدراك هذا المفهوم العالي والسّامي للعطاء وبذل النّفْس وإنكار الذّات لأجل الآخر.
وعلى هذا فإنّي أقول إنّه لو أدرك كُلّ إنسان أنّهُ بحسب مقاييس الله يكون مُجرِماً وآثِماً إنْ هُو لم يضع نفسهُ لأجل الآخر. وإنْ لم يتعب ويبذل أقصى طاقة لديه لإسعاد ومُباركة الآخر، وإن كان بمقدوره أن يُساعد شخصاً وتخلّى أو تكاسل أو تقاعس، فلن تكون عبادته مقبولة أمام الله. كما أقول أيضاً إنّه لو أدرك البشر ذلك القانون أو المبدأ وتعاملوا وفقاً له، لكانت أمور كثيرة من حولنا قد تغيّرت!. لذلك أدعوك عزيزي القارىء أن تُصحّح مفاهيمك وتُحبّ من هُم حولك ولا تُؤخّر خيراً عنهُم مادام في طاقة يدك أن تعمله، فبذلك تكون مقبولاً أمام الله ومحبوباً من الآخرين.
 • تخيَّل لو أنّنا نعيش ونسلك وفقاً لهذا القانون السّماويّ:
لو عشنا وفقاً لهذا المبدأ الإنسانيّ لتغيّرَ عالمنا ومُجتمعنا الذي نعيشُ فيه، ولَبَلَغْنا القمّة المثاليّة الرّائعة. تخيّل معي مُجتمعاً يبذل فيه الإنسانُ نفسه لأجل الآخر، يُحبّه ويكرمه ويتفانى في خدمته، فيُقابل الآخر هذا العطاء بمِثلِه أو بأكثر منه. أتخيّل أنّنا لو عشنا بهذا النّظام لَقَلَّ عدد الفقراء والمَرضى والمُتعَبين والمهمومين بيننا، لأنّ كُلّ واحد سيَجِد الكثيرين يمدُّون له يدَ العَون والمُساعدة عند حاجته، ووقتها سنُرضي الرّبّ والعبد على السّواء، وسيبارك الرّبّ طُرُقنا وسيُجزينا خيراً.

اللهمّ آمين.

FacebookXYouTubeInstagramPinterestTiktokThreads
دردشة
تم إغلاق هذه الدردشة

تحميل تطبيق "الإيمان والحياة"

Android
iPhone