search
burger-bars
Share

مفَّجر  ثورات الربيع العربي ...!!أيّام قليلة وتقترب ثورة الياسمين التّونسيّة من احتفالها بعيد ميلادها الأوّل،

 وفي هذه المناسبة العظيمة حريٌّ بنا أن نتذكّر إنساناً كانت ولا تزال ذكراه عزيزة علينا، وحريٌّ بنا أيضاً أن نستخلص دروساً وعِبَراً لمن يتعلّم ويعتبر، عسى أن نخلّص أوطاننا وشعوبنا من مصير مُظلم قد ينتظرهُم!.

هو رجلٌ قست عليه الحياة بثقلها فأتت عليه، وكتبت لسطور حياته النّهاية من دون اتّفاق أو موعد، لكنّه لم ولن يُصبح ماضياً منسيّاً لأنّ حادثة موته أضافت لنا كثيراً!.


هُو، شابٌّ في مُقتبل العمر طحنته الأيّام بخشونتها وشقاوتها، ومن لا ترحمه الأيّام لا يرحمه البشر أيضاً بكُلّ أسفٍ، فكانت المُصيبة أشدّ وأقسى ....


هُو يبدو مثله كمثل الشّباب الكثيرين السّائرين من حوله، والعائشين في أوطاننا العربيّة يحملون آلامهم وشقاوتهم، تقابلهم تحدّيات من كُّل حدبٍ وصوب ولا يجدون سبيلاً لمُواجهتها، من بطالةٍ وقهرٍ وفقرٍ وذُلٍّ وحاجةٍ وفاقة. إنّما هُو ليس مثلُ الكثيرين منهُم، لأنّ مرجل ضغوطه انفجر به، فأحرق نفسه في لحظة يأس وصار بذلك ـ من دون أن يدري أو ينوي ـ زعيما ورائداً لثورات الربيع العربيّ.

لماذا يظلم الإنسان أخيه الإنسان؟
لعلّ هذا السّؤال الفلسفي هو واحدٌ من أكثر أسئلة الحياة صعوبةً وغموضاً، فمِن الإنسان تُشتقُّ كلمة "الإنسانيّة" وهي تعني العطف والشّفقة والحنان، لكنّ بعض البشر لا يعلمون عن الإنسانيّة شيئاً ولا يجدون لها سبيلاً. يقسو الإنسان على أخيه الإنسان ويظلمه رُبّما لاستخدامه السّيّء لسُلطةٍ أعطاها الله لهُ ليستخدمها للخير، فإذا بطبيعته الشرّيرة تجعله يُسيء استخدامها فتصير مصدر شرٍّ وشقاءٍ لأخيه الإنسان. ويقسو الإنسان على أخيه الإنسان أحياناً لأنّه لا يعرف الرّحمة مع أنّه يطلبها لنفسه ـ من إلهه ـ كلّ يوم وكلّ لحظة!. ويظلم الإنسان أخاهُ مرّاتٍ أُخرى لأنّ أنانيّته تدفعهُ لأن يعيش بمنطق "أنا ومن بعدي الطّوفان"، فإذا به يريد أن يأخذ كلّ شيء لنفسه من دون أن يُراعي أحداً، مع أنّ الأديان تحثُّنا على العطاء وليس الأخذ وعلى إنكار الذّات ومحبّة الآخر، وليس على محبّة النّفس وإهمال الآخر. وإن كانوا قديماً قد قالوا: تختلف الأسباب والموت واحد!، فإنّ الخُلاصة هي أنّ الظّلم صار مُصاحِباً للإنسان في كلّ عصر ومكان وزمان، ولا بُدّ أنّ هذه هي إحدى موروثات الخطيّة التي دخلت لأرضنا من جرّاء خطيّة آدم الأولى.

ماذا يعمل القهر والكبت في الإنسان؟
للأسف، إنّ الإنسان ـ مهما كان قويّاً ـ لهُ طاقة وقُدرة محدودة على احتمال الألم والظُّلم، لذلك فإنّ الإنسان الذي لا يُفرغ تلك الطّاقة النّاتجة عن الظُّلم والقهر الذي يتعرّضُ له، سيتعرّض عاجلاً أو آجلاً لخطر الانفجار غير المحسوب الذي من دون شكٍّ تكون عواقبه وخيمة. ونحن نقرأ ونسمع ونرى من حولنا كيف أنّ الكثير من الجرائم الفظيعة التي تُرتكب من حولنا، تكون مرجعيّتها وسببها تلك الطّاقة المكبوتة والمُختزَنة من الغضب أو القهر والذُلّ، والتي لا يستطيع الإنسان تصريفها أو التّخلُّص منها فتكون كذاك الرّجُل الذي يأخذ النّار في حضنه فيحترق بنارها، بل ويحرق الكثيرين أيضاً.

ملوك ورؤساء  يظلمون شعوبهُم:
لقد أعطى الله المُلك أو السّيادة أو السُّلطان للملوك وللحُكّام والرّؤساء من أجل هدف واحدٍ، ألا وهو حتّى يستخدمونه لخدمة العباد ولخير الأوطان، لكن رُبّما ما يحدث من حولنا لا يقود إلى هذا الهدف السّامي، بل يُؤدّي إلى خراب وانهيار الأوطان!. والإنسان بطبيعته الشّريرة كإنسان كثيراً ما يَظلِم، إلّا أنّنا نقول أيضاً إنّ الحُكّام والرّؤساء وذوي السّلطة ـ لا سيّما في أوطاننا العربيّة ـ هُم الأكثر مُمارَسةً لتلك السُّلطة القاهرة المُستبدّة ولذلك الظُلم البيّن. إنّ مُجرّد نظرة لما حدث ويحدثُ اليوم من حولنا في الكثير من الأقطار العربيّة، بدايةً من تونس الرّائدة مروراً بثورات مصر وليبيا واليمن ثُم ثورة البحرين التي تمّ احتواؤها وسوريا التي مازالت مُشتعلة حتّى يومنا هذا، بل وبوجود قلاقل محدودة تقوم من حين لآخر على استحياء ويتمّ إخمادها كما يحدث من حين لآخر، في السّعوديّة والكويت وعُمان والأردن وإيران والبقيّة التي لا ندري بها، إنّ هذا كُلّه كان لا بُدّ لهُ أن يُعلّمنا درساً رُبّما لم يتعلّمه بعد الكثير من القادة والحُكّام في بلادنا العربيّة، ألا وهو أنّ الاستبداد والقهر لن يقود أخيراً إلّا إلى الانفجار، وأنّ الأفراد والشّعوب مهما صبروا، فلا بُدّ أن يبلغ صبرهم هذا مدى لن يقدروا عندهُ على السّكوت والخنوع، وستتفجّر الأوضاع. إنّ هذه هي النّتيجة الحتميّة والمُتوقَّعة لكُلِّ ما يحدث من حولنا، ومع أنّها نتيجة قد تأكّدت وتبرهنت بدلائل كثيرة، إلّا أنّ الكثير من حُكّامنا مازالوا لا يقرؤون لا التّاريخ الإنساني الماضي ولا الواقع الحاضر ليتعلّموا من كليهما شيئاً، ممّا يزيد الأمور تعقيداً.

  لماذا يظلمُ الحُكّام شعوبهم؟
إنّ هذا يحدث لأنّ الحاكم كثيراً ما تُسكره خمر السّيادة والأُبّهة وحُبّ الذّاتِ والمال والسُّلطة والجاه وإشباع الرّغبات، فيتعامى بأنانيّته وذاتيّته عن ذلك الغرض الذي أتى من أجله ليملك وليحكُم!. إنّ اهتمام الحُكّام بنفوسهم وبعائلاتهم وباكتناز ثروات لن يعيشوا ليستخدموها!، على حساب شعوبهم الفقيرة بل والمُعدمة، سيُنشىء مع الوقت مرارةً وإحساساً مُتزايداً بالظّلم والقهر، ما يلبث أن ينمو ويتضخّم مُنشِأً كراهيّةً وبُغضةً في نفوس الشّعوب تجاه حُكامهم المُستبدّين، حتّى تأتي لحظة الانفجار التي لن تُدمّر هذا الحاكم وأسرته وحاشيته فقط، لكنّها تأكل حتماً في طريقها الأخضر واليابس وتأتي على مُقدّرات واقتصاديّات وثروات البلاد والعباد، بل وستحصد حتماً في طريقها أرواحاً بريئةً وستسفك دماً زكيّاً ممّا حرّمه الله، وهذا هو ما رأيناه جميعاً في تلك الثّورات الكبرى بدايةً بتونس ومروراً بمصر وليبيا واليمن وسوريا أيضاً.


ولو كان الحُكّام أو ذوي السُّلطة والنّفوذ يُحبُّون أوطانهم وشعوبهم، مثلما يحلو لهُم أن يتشدّقوا نهاراً وليلاً بكلمات جوفاء رنّانة من دون أيّ حقٍّ على أرض الواقع، ولو كانوا حقّاً يُنكرون ذواتهُم ويعملون لصالح أوطانهم وشعوبهم مثلما أقسموا على الولاء لذلك، لتغيّر الحال كثيراً عن ذلك وافتدوا بذلك بلادهُم، وهو درس مازال متاحاً لمن لم يتعلّمه بعد ولمن يُريد أن يتعلّم، مع جرس تحذير وإنذار يُدوّي صداه بشدّة، لأنّهُ لا صبر الرّبّ ولا صبر العباد سيستمرُّ أبداً، بل لا بُدّ لكُلّ ظُلمٍ من نهاية.

لماذا يصمت الله البارُّ على أمور مثل هذه؟
هذا أيضاً سُؤال من الأسئلة الهامّة التي يسألها الكثيرون مراراً وتكراراً، حتّى قديماً في الكلمة المُقدّسة. أمّا أبلغُ ردّ بخصوص هذا الشّأن هُو ما أعلنه الله نفسه في الكلمة المُقدّسة عندما قال في سفر إشعياء 55: 8 - 9 . ومع أنّنا لا نعرف يقيناً لماذا يصبر الله على مثل هذه الأمور، فإنّ يقيننا وثقتنا في حكمته وسموّ أفكاره تجعلنا نُسلّم الأمر لهُ واثقين في حكمته وصحّة بصيرته، مُتّكلين تمام الاتّكال عليه إذ هو جدير بذلك بل وأكثر، واثقين فيما قاله إنّنا لسنا نفهم الآن لكنّنا لا بُدّ سيأتي الوقت لنفهم، وحتّى يأتي هذا الوقت فإنّنا نقول مع المُرنّم في المزمور 39: 9 ، لا عن سلبيّة ولا انهزام، بل واثقين أنّ إرادته الصّالحة لنا كأولاده ستحوِّل كلّ الأشياء لأن تعمل ـ بما فيها من ألم وظُلم وقهر ـ لخيرنا ولمصلحتنا.

أقول إنّنا نحنُ جميعاً مدينون للعاصمة الخضراء التي فجّرت الموقف وأشعلت فتيل الثّورة على الظُّلم والاستبداد، ومَدينون لبوعزيزي الذي في لحظة يأس أحرق نفسه رُبّما من أجلنا جميعاً لكيما نُشعل نحنُ نار الثّورة والتّصفية والتّطهير في أماكن أُخرى كثيرة. فشكراً وتقديراً وتحيّةً واجبةً لهم جميعاً.


وأقول على مُستوىً شخصيّ من ناحية أُخرى لك أيُّها القارىء الكريم، يظلُّ هُناك أيضاً باباً مفتوحاً ودائماً للرّجاء والأمل وهُو الأفضل والأجمل، ألا وهُو باب السّماء، فهل تُراك جرّبت مرّة عزيزي القارىء أن تلتجىء إليه وقت ضيقك أو شدّتك أو ألمك؟ أنصحك أن تُجرّبه وأثق أنّك ستجد فيه كُلّ معونة وتعضيد. وأقول أخيراً عزيزي، احرص ألّا تظلم أحداً فإنّ باب السّماء مفتوح للمساكين والمظلومين ولا بُدّ أنّ الله أخيراً سيُجازي، واحرص ألّا تختزن حُزناً وألماً وقهراً داخلك والرّبّ سيُعينك.


صلاتي لك أن تتمتّع بكُلّ صحّة وسلامة واستقرار، والرّبُّ معك.

 

FacebookXYouTubeInstagramPinterestTiktokThreads
دردشة
تم إغلاق هذه الدردشة

تحميل تطبيق "الإيمان والحياة"

Android
iPhone